تعتبرالتجربة الهندية من التجارب القديمة التي ارتبطت بداياتها برؤية المهاتماغاندي تجاه مقاومة الاحتلال البريطاني للهند، والتي ارتكزت على فلسفةالاعتماد على الذات اقتصادياً وزيادة فرص التوظيف للمواطنين، من خلال تبنيفكرة المشاريع الصغيرة. واستمر اهتمام الحكومة بدعم وتطوير المشاريعالصغيرة بعد الاستقلال، وكان المهاتما غاندي يردد دائما مقولة الاقتصاديالألماني شوماخر 'Small is beautiful'، أي كل ما هو صغير.. جميل.


ويشكل تشجيع وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة أهم الموضوعات التي تعني الحكومةالهندية، وبالتالي السياسة الصناعية القومية فيها. ويرجع هذا الاهتمام إلىرغبة الحكومة في تشجيع هذه النوعية وتنميتها كإحدى الوسائل التي تواجهالبطالة والفقر الذي يعانى منه السواد الأعظم من الشعب الهندي. فالصناعاتالصغيرة تقدم أكبر عدد ممكن من فرص العمل بعد قطاع الزراعة مباشرة، ومن هنافقد احتلت هذه النوعية من المشاريع مكاناً بارزاً في الاقتصاد الهندي.
وقدنجحت الهند في تنمية القطاع الصناعي وتنويع المنتجات الصناعية، من خلالالتركيز على المشاريع الصغيرة كثيفة العمالة والتي لا تحتاج إلى رأس مالكبير، وهو توجه يتفق مع ظروف الهند، بسبب افتقار هذا البلد إلى المواردالمالية إضافة إلى مشكلة الزيادة الكبيرة في السكان.
ومما يدلل على نجاحالتجربة الهندية هو خلق عدد أكبر من فرص العمل، وخفض معدلات البطالة حيثأصبحت المشاريع الصغيرة والمتوسطة تحتل المركز الثاني بعد القطاع الزراعيمباشرة، من حيث توليد فرص العمل، وأصبح إنتاجها يمثل حوالي 50% من الإنتاجالصناعي الهندى، وتوظف نحو 17 مليون عامل. ومن هنا فقد احتلت هذه النوعيةمن المشاريع مكاناً بارزاً في الاقتصاد الهندي.
وتعرف المشاريع الصغيرةفي الهند بالمشاريع التي لا تتجاوز تكاليفها الاستثمارية 65 ألف دولار، اماالمشاريع المتوسطة فهي التي لا تتجاوز تكاليفها الاستثمارية 750 ألفدولار. ويضم قطاع الصناعات الصغيرة والمتوسطة في الهند أكثر من 3 ملايينوحدة صناعية.
أشكال الدعم الحكومي:
لقد تعددت أشكال الدعم الحكومي لقطاع الصناعات الصغيرة والمتوسطة، حيث تبلور في عدة محاور من أهمها:
1. الحماية: حيث أصدرت الحكومة قرارًا بتخصيص 80 سلعة استهلاكية تقومبإنتاجها الصناعات الصغيرة والمتوسطة فقط؛ ومن ثم ضمنت لها عدم المنافسة منكيانات أكبر منها وبالتالي الحماية والاستقرار. وفي نفس الوقت سمحتالحكومة للصناعات الكبيرة بتصنيع السلع المخصصة للصناعات الصغيرة بشرطتصدير 50% من منتجاتها للخارج مما يساهم في تحسين وضع ميزان المدفوعاتوالميزان التجاري، وتوفير العملة الصعبة والتواجد في الأسواق العالميةمثلما يحدث في صناعة البرمجيات.
2. التمويل: أتاحت الحكومة المجال أمامالمشاريع الصغيرة للحصول على قروض ائتمان بنسب فائدة منخفضة للغاية، لتلبيةاحتياجاتها التمويلية وتوفير السيولة اللازمة لها وبآجال مختلفة.
3. توفير البنية الأساسية لتلك المشاريع وفي مقدمتها التدريب وتطوير مهاراتالإدارة والتكنولوجيا؛ وإقامة المجمعات الصناعية، فضلاً عن المساعدة فيعنصر التسويق، والربط بين أصحاب الصناعات الصغيرة وبعضهم البعض، ومساعدتهمعلى أن يكونوا صناعات مغذية للمشاريع الكبرى، من خلال توفير البياناتوالمعلومات والفرص المتاحة من خلال قاعدة بيانات متكاملة.
5. تتولىالحكومة الإشراف على هذا القطاع ومتابعته من خلال جهاز خاص يسمى 'إدارةالصناعات الصغيرة والريفية'، الذي يهدف إلى إعداد وتنفيذ السياسة القوميةفي مجال تنمية، وتعظيم دور مثل هذه المشاريع في الاقتصاد الهندى،. ويعالجهذا الجهاز مشاكل الصناعات الصغيرة والمتوسطة، من خلال إعادة صياغةالقوانين والسياسات الخاصة بالصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتقديم الدعمالمادي والفني لها.
كما يقوم هذا الجهاز بإنشاء المعاهد الخدمية لتوفيرالخدمات لها والقيام بعمليات التدريب، فضلاً عن إنشاء محطات اختبارالجودة، ومراكز البحث والتطوير لتوفير التكنولوجيا اللازمة ودراسات الجدوىالمتخصصة.
6. أنشأت الحكومة صندوقًا للمساعدة في تطوير تكنولوجياالمشاريع الصغيرة، وتحسين مستوى العمالة وتقديم الدعم المادي والفني لتطويرالمنتجات رصدت له 50 مليون دولار، وبذلك استبدلت الحكومة الحماية من فرضرسوم وضرائب على المنتجات المستوردة إلى تقديم الدعم المادي والفني لتطويرالمنتجات، وهذا بلا شك أكثر جدوى بالنسبة للاقتصاد القومي في الأجلينالقصير والطويل.
7. توفير البنية الأساسية للمشاريع الصغيرة من خلالإقامة المجمعات الصناعية الضخمة، التي تشمل شبكات توزيع الكهرباء والمياهوالاتصالات والصرف الحي ومراقبة التلوث، وإنشاء الطرق والبنوك والموادالخام، ومنافذ التسويق والخدمات التكنولوجية.
8. وضع نظام للإعفاءاتالضريبية على أنشطة المشاريع الصغيرة والمتوسطة يتدرج عكسيا مع قيمة رأسالمال المستثمر، بحيث تقل نسبة الإعفاء الضريبي تدريجيا مع الزيادةالتدريجية في رأس مال المشروع الصغير.
كما تقدم الحكومة العديد منالمزايا والإعفاءات الضريبية وخدمات معينة للمشاريع الصغيرة، التي تقام فيمناطق محددة، لتشجيع القطاع الخاص على تنميتها، وتحقيق التوازن في التنميةبين كافة أقاليم الدولة.
9. خلق نوع من التكامل بين المشاريع الكبيرةوالصغيرة، حيث ألزمت المشاريع الكبيرة بتقديم كافة المعلومات المتاحةللمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وتم الاتفاق مع الشركات الحكومية على إنتقوم الصناعات الصغيرة بالاشتراك في تصنيع 30% من الأجزاء في المعداتالهندسية الثقيلة، 45% من المعدات الهندسية المتوسطة، 25% من وسائل النقل، و 40% من المنتجات الاستهلاكية.